السيد محمد تقي المدرسي
136
من هدى القرآن
الَّتِي أَوْجَبْتِ الشُّكْرَ لِأَنَّ النِّعَمَ مَتَاعٌ وَالشُّكْرَ نِعَمٌ وَعُقْبَى » « 1 » ، « شُكْرُ المُؤْمِنِ يَظْهَرُ فِي عَمَلِهِ » « 2 » ، و « شُكْرُ المُنافِقِ لا يَتَجاوَزُ لِسانِهِ » « 3 » . وجاء في الصحيفة السجادية : « الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَوْ حَبَسَ عَنْ عِبَادِهِ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلَى مَا أَبْلَاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ المُتَتَابِعَةِ ، وأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ المُتَظَاهِرَةِ ، لَتَصَرَّفُوا فِي مِنَنِهِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ ، وتَوَسَّعُوا فِي رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ ، ولَوْ كَانُوا كَذَلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الإِنْسَانِيَّةِ إِلَى حَدِّ البَهِيمِيَّةِ فَكَانُوا كَمَا وَصَفَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ] « 4 » . والذي يلاحظ سورة الرحمن يجد آياتها تنصب في منهج محدد ، فمقاطعها ترتكز على اسم الرحمن الذي جاءت السورة لتعرفنا به من خلال تجلياته في جوانب الحياة المختلفة ، ومن هذا المنطلق يذكرنا كل مقطع فيها ببعض آلاء الله ثم يضع أمامنا التساؤل الذي تكرر ( 31 ) مرة ، وهكذا تتوالى المقاطع الصيغة نفسها حتى الأخير . إذن فالسورة تستهدف تعريفنا بربنا ، كخطوة أولى تنقلنا بها إلى الهدف الأسمى من المعرفة إلا وهو العبادة بتمام المعنى . أترى هذه النعم كلها جاءت لهدف ودور محدد هو مصلحة الإنسان ، فما هو هدف الإنسان نفسه ، وما هو الدور الذي يقوم به لتحقيق ذلك الهدف ؟ إنه معرفة الله من خلال آياته ونعمه ، والقيام بها كما يريدها عز وجل خلال عبادته . [ 14 - 16 ] وهنا يوجه القرآن أنظارنا وعقولنا إلى تجلٍّ آخر لرحمة الله متمثلا في خلقه الإنس والجن . خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ قال الراغب الأصفهاني : [ قيل : إن الصلصال هو المُنْتِنُ من الطين ، من قولهم : صل اللحم ] « 5 » إذا تعفَّن وتغيَّر ، وقال علي بن إبراهيم : هو [ الماء المتصلل بالطين ] « 6 » . إذن خلق الله الإنسان من هذه المادة الوضيعة في نظرنا ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ [ السجدة : 8 ] ، ولكنه بقدرته صيَّره خلقا محكما ، فيه الأذن التي تلتقط بمثلثاتها أدق الأصوات وتميِّز بينها ، والكبد التي تقوم بأكثر من ( 700 ) عملية ، والمخ الذي هو أكثر الأشياء إعجازا في الإنسان ، والنخاع الذي هو امتداد لخلايا المخ ، والذي لو حاولنا استبدال سنتيمتر مربع منه لاحتجنا إلى حاسوب آلي ضخم بحجم الغرفة الكبيرة ، يستطيع أن يستوعب حسابات الدنيا كلها ! .
--> ( 1 ) بحار الأنوار : ج 75 ، ص 365 . ( 2 ) غرر الحكم : حكمة : 6164 . ( 3 ) غرر الحكم : حكمة : 10501 . ( 4 ) الصحيفة السجادية : الدعاء الأول . ( 5 ) مفردات غريب القرآن : ص 284 . ( 6 ) نور الثقلين : ج 2 ، ص 7 .